تونس 2026: القطيعة العسكرية، قضية دولة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
تشهد الجمهورية التونسية خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران 2026 مرحلة متقدمة من الهشاشة البنيوية، تجسدت في حدثين متزامنين:
- صدور بيان غير مسبوق عن وزارة الدفاع يؤكد مجدداً حياد المؤسسة العسكرية (21 مايو).
- التصريحات الخطيرة التي أدلى بها المدير السابق لجهاز الاستخبارات كمال القيزاني من الخارج (1 يونيو)..
لا تمثل هاتان الواقعتان أحداثاً معزولة أو استثنائية بحد ذاتها، بل هما من وجهة نظر هذا التقرير أعراض ظاهرة لتآكل الركائز الأساسية التي يستند إليها النظام الرئاسي، والمتمثلة في:
- ابتعاد المؤسسة العسكرية تدريجياً عن السلطة السياسية.
- تفكك النخب الأمنية.
- استمرار المأزق الاقتصادي البنيوي.
وبذلك أصبح النظام يعمل في إطار من البقاء تحت الضغط، لا في حالة انهيار وشيك، لكنه في الوقت نفسه لم يعد يمتلك هامش المناورة الكافي لاستيعاب صدمة كبرى إضافية.
ويعتمد هذا الملف على ستة محاور تحليلية متكاملة تهدف إلى تقديم قراءة شاملة للوضع التونسي وانعكاساته الإقليمية.
هيكل الملف
- البعد المؤسساتي – عندما تتحدث «المؤسسة الصامتة».
- البعد المنظومي – نظام في حالة بقاء.
- بعد الفاعلين – القيزاني: شاهد أم بيدق؟
- البعد المعلوماتي – حرب السرديات.
- البعد الإقليمي – تونس في معادلة الجزائر وروما والرباط.
- البعد الاستشرافي – خمسة سيناريوهات للفترة 2026–2028.
المحور الأول – البعد المؤسساتي
عندما تتحدث «المؤسسة الصامتة»:
تشريح قطيعة عقائدية
في 21 مايو/أيار 2026، أصدرت وزارة الدفاع الوطني التونسية بياناً اتسم بإيجاز مضلل لكنه حمل دلالات عميقة للغاية.
ففي تونس سنة 2026، قد تكفي بضعة أسطر صادرة عن وزارة الدفاع لزعزعة تصور سياسي كامل.
وجاء في البيان أن الجيش مؤسسة جمهورية تقوم على الانضباط، وتلتزم الحياد واحترام قوانين الدولة، وأن ولاءها يكون للدولة ومؤسساتها لا للأشخاص أو للصراعات الحزبية.
كما ندد البيان صراحة بما وصفه بـ«المحاولات المتكررة لإقحام المؤسسة العسكرية وقياداتها في التجاذبات والمزايدات السياسية».
وأول ما يلفت الانتباه هو الجهة المصدرة للبيان؛ إذ صدر عن وزارة الدفاع وليس عن رئاسة الأركان مباشرة.
ورغم أن هذا الفرق يبدو تقنياً للوهلة الأولى، فإنه يحمل دلالة مؤسساتية مهمة للغاية، لأنه يعني أن البيان يعبر عن سلسلة القيادة المدنية بقدر ما يعبر عن القيادة العسكرية، وبالتالي لا يمكن اعتباره مجرد تعبير عن مزاج داخل الثكنات.
ولفهم الأهمية الحقيقية لهذا البيان، ينبغي التذكير بالتقليد التاريخي للمؤسسة العسكرية التونسية، التي عُرفت طويلاً بلقب «المؤسسة الصامتة».
فمنذ الاستقلال، حافظ الجيش التونسي على مسافة واضحة من الشؤون السياسية والمدنية، بخلاف ما عرفته جيوش أخرى في المغرب العربي ومنطقة الساحل.
وخلال عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، جرى تهميش المؤسسة العسكرية عمداً لصالح الأجهزة الأمنية والشرطية.
وبعد سنة 2011، فرض الجيش نفسه باعتباره ضامناً للاستقرار والثورة في الوقت نفسه، لكنه لم يطالب يوماً بدور سياسي مباشر.
وعادة ما كانت بياناته تقتصر على التدريبات العسكرية أو العمليات الإنسانية أو مهام إزالة الألغام، ولم تتطرق مطلقاً إلى «التجاذبات» أو «المزايدات» السياسية.
إشارة تحليلية
إن الحدث الحقيقي لا يكمن فيما يقوله البيان، بل في مجرد وجوده.
فالمؤسسة التي لم تكن تحتاج يوماً إلى إعلان حيادها اختارت هذه المرة أن تفعل ذلك بشكل علني.
ويشكل هذا في حد ذاته دليلاً على أن ذلك الحياد أصبح مهدداً، أو على الأقل أن حراس المؤسسة يرون أنه مهدد.
كما يخيّم شبح 25 يوليو/تموز 2021 على أي قراءة لهذا البيان.
ففي ذلك التاريخ، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها في قلب المشهد السياسي عندما نفذت أوامر الرئيس قيس سعيّد المتعلقة بتطويق البرلمان عقب تعليق أعماله بصورة مفاجئة.
وقد رأى كثيرون في ذلك الوقت أن الجيش وفر غطاءً ضمنياً للتحول السياسي الذي عرفته البلاد.
أما اليوم، فإن إعادة التأكيد العلني على الحياد يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة صياغة موقع المؤسسة العسكرية، ورسالة مفادها أنها ليست، ولن تكون، أداة في خدمة أي انحراف سياسي إضافي.
وتتعايش في تونس حالياً ثلاث قراءات لهذا البيان:
- القراءة الأولى، المؤسساتية، تعتبره مجرد إعادة تأكيد لمبدأ عقائدي ثابت دون وجود جهة مستهدفة بعينها.
- القراءة الثانية ترى فيه رسالة هادئة موجهة إلى قصر قرطاج مفادها أن ولاء الجيش لا يعني وضعه تحت التصرف المطلق للسلطة.
- أما القراءة الثالثة، ذات الطابع الاستشرافي، فتعتبره إجراءً وقائياً يهدف إلى منع أي محاولة مستقبلية لتوظيف الجيش، خاصة مع اقتراب استحقاقات اجتماعية قد تكون شديدة الحساسية.
ويخلص تحليل معهد هورايزنز إلى أن هذه القراءات الثلاث ليست متعارضة، بل يمكن أن تكون صحيحة في الوقت نفسه، وهو ما يفسر قوة الصدى السياسي الذي أحدثه البيان.
المحور الثاني – البعد المنظومي
نظام يعيش تحت الضغط:
تشريح هشاشة بنيوية
لفهم الحدثين اللذين تمت دراستهما في هذا التقرير في أبعادهما الكاملة، يجب إدراجهما ضمن السياق المنظومي للنظام الذي أسسه قيس سعيّد سنة 2026.
فمنذ ما يصفه التقرير بـ«الانقلاب الدستوري» في يوليو/تموز 2021، بنى الرئيس قيس سعيّد منظومة حكم قائمة على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
- تركيز السلطة التنفيذية في يد الرئاسة.
- توظيف المؤسسة القضائية.
- تحييد كل أشكال المعارضة المنظمة.
ويرى التقرير أنه بحلول سنة 2026 بدأت هذه الركائز الثلاث تظهر في الوقت نفسه علامات إنهاك واضحة.
فعلى الصعيد السياسي، بلغت سياسة القمع مستوى غير مسبوق منذ عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، صدرت أحكام بالسجن بحق نحو أربعين شخصاً بتهم تتعلق بـ«التآمر على أمن الدولة»، ووصلت بعض العقوبات إلى ستة وستين عاماً من السجن.
وفي فبراير/شباط 2026، قامت محكمة الاستئناف بتثبيت تلك الأحكام وتشديد بعضها، ومن بينها الحكم بالسجن خمسة وثلاثين عاماً على المدير السابق للاستخبارات كمال القيزاني.
ويرى التقرير أن هذه السياسة، وإن كانت تساهم في إسكات الأصوات المعارضة على المدى القصير، فإنها تولد في المقابل أشكالاً متزايدة من المقاومة السلبية داخل مؤسسات الدولة نفسها.
أما على المستوى الاقتصادي، فيصف التقرير الوضع بأنه مأزق هيكلي.
فرفض قرض صندوق النقد الدولي البالغ ملياري دولار سنة 2023، والذي قُدم حينها باعتباره موقفاً سيادياً، حرم الدولة من شبكة أمان مالية كانت تعتبر حيوية.
ومنذ ذلك الحين، استمرت مؤشرات التضخم والعجز المالي والمديونية في التدهور.
وفي يناير/كانون الثاني 2026 دعا الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يصفه التقرير بأنه كان تاريخياً منظمة معتدلة، إلى إضراب عام وطني، وهو أول تحرك بهذا الحجم منذ أحداث يوليو/تموز 2021.
ويؤكد التقرير أن هذا المؤشر لا ينبغي الاستهانة به، لأن الاتحاد العام التونسي للشغل يمثل، إلى جانب الجيش، أحد أهم ركيزتي الاستقرار في تونس منذ سنة 2011.
وضع ركائز النظام
| الركيزة | وضعها سنة 2021 | وضعها سنة 2026 | الاتجاه |
|---|---|---|---|
| الجيش | سلبي أو داعم ضمنياً | تباعد علني | تدهور |
| الاستخبارات | موالية وفعالة | خضعت للتطهير وأصبحت مجزأة | تدهور شديد |
| القضاء | خاضع للتوجيه | خاضع بالكامل مع ظهور مقاومات سلبية | مستقر ظاهرياً لكنه هش |
| الاتحاد العام التونسي للشغل | متكيف ومترقب | مواجهة كامنة وإضراب عام | تدهور |
| الشرطة والحرس الوطني | مواليان وفعالان | ما زالا مواليين لكن تحت ضغط | مستمر |
ويخلص التشخيص التحليلي للمعهد إلى أن النظام يوجد في حالة بقاء تحت الضغط، وليس في حالة انهيار وشيك.
فهو لا يزال يحتفظ بأدوات الإكراه الأساسية، ممثلة في الشرطة والحرس الوطني والقضاء.
غير أن فعالية هذه الأدوات أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على الخوف أكثر من اعتمادها على الشرعية.
ويعتبر التقرير أن هذا الفرق جوهري، لأن النظام الذي يحكم بالخوف يكون أكثر عرضة للصدمات الخارجية من النظام الذي يحكم بالقبول والرضا.
المحور الثالث – بعد الفاعلين
كمال القيزاني:
شاهد أم منتقم أم مجرد بيدق؟
تفكيك شهادة عالية المخاطر
في الأول من يونيو/حزيران 2026، أجرى المدير العام السابق للأمن الوطني والاستخبارات بوزارة الداخلية التونسية، كمال القيزاني، مقابلة مع منصة الجزيرة 360.
وقد وصفت المنصة هذه المقابلة بأنها «شهادة تاريخية».
ويرى التقرير أن فهم هذه الشهادة يتطلب تحليلها على ثلاثة مستويات:
- شخصية الفاعل نفسه.
- مضمون الاتهامات التي قدمها.
- الدوافع المحتملة وراء خروجه الإعلامي.
أولاً: شخصية القيزاني
يشدد التقرير على أن القيزاني ليس معارضاً سياسياً محترفاً أو شخصية حزبية معروفة.
بل إنه كان جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية التونسية.
فقد شغل اثنين من أكثر المناصب حساسية في الدولة:
- مدير الاستخبارات الداخلية.
- مدير الأمن الوطني.
ويعتبر التقرير أن تعيينه سفيراً في البحرين سنة 2022، بعد إبعاده من قيادة الأجهزة الأمنية، كان بمثابة «إقصاء ناعم».
أي أنه تم إبعاده عن مراكز القرار دون الدخول في مواجهة مباشرة معه، بسبب حجم المعلومات التي كان يمتلكها.
أما الحكم الصادر ضده بالسجن خمسة وثلاثين عاماً خلال 2025–2026، والذي تم تثبيته استئنافياً، فقد أنهى هذه المرحلة من الحذر المتبادل بينه وبين السلطة.
مضمون الاتهامات
مستوى الثقة: C
(ادعاءات معقولة لكنها غير مثبتة)
سنة 2020 – طلب بالتجسس غير القانوني
بحسب رواية القيزاني، طلب منه أحد مستشاري الرئاسة تنفيذ عملية مراقبة غير قانونية.
ويقول إنه أبلغ الرئيس قيس سعيّد شخصياً خلال لقاء ليلي.
وبحسب روايته، نفى الرئيس علمه بالأمر.
شبكات موازية
بعد شهرين من رفضه تنفيذ العملية، يؤكد القيزاني أن المهمة نُفذت عبر قنوات أمنية أخرى.
ويرى التقرير أن هذا الادعاء، إذا ثبتت صحته، قد يشير إلى وجود دوائر قرار موازية خارج الهياكل الرسمية للدولة.
تعطيل المسار القضائي
بعد تقديم شكوى وفتح تحقيق في القضية، يؤكد القيزاني أنه تلقى اتصالاً مباشراً من الرئيس قيس سعيّد يطلب منه إغلاق الملف قبل وصوله إلى القضاء.
تورط شخصيات مقربة من الرئاسة
كما يوجه القيزاني اتهامات إلى أفراد من عائلة الرئيس وإلى خالد اليحياوي، مدير الأمن الرئاسي، تتعلق بالحصول على ملفات أمنية حساسة بطرق غير قانونية.
التقييم المعرفي للشهادة
يرى التقرير أن القيزاني شاهد من الصف الأول.
فمصداقيته تستند إلى تجربته الفعلية داخل أجهزة الدولة.
لكن في المقابل، فهو أيضاً شخص صدر بحقه حكم بالسجن خمسة وثلاثين عاماً ويعيش خارج البلاد، ولم يعد لديه ما يخسره داخل النظام.
ويشدد التقرير على أن هاتين الحقيقتين يجب أخذهما معاً في الوقت نفسه.
فمن جهة، تبدو تصريحاته متسقة بصورة عامة مع ما يعرف عن طبيعة عمل النظام.
ومن جهة أخرى، لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة وعلنية تؤكد صحة هذه الاتهامات.
ولهذا السبب يطرح التقرير السؤال التالي:
هل القيزاني شاهد أم منتقم أم بيدق؟
ويجيب بأن الواقع أكثر تعقيداً.
فهو على الأرجح:
- شاهد على وقائع عاشها من الداخل.
- منتقم من نظام أدانه وأقصاه.
- وبيدق، ربما طوعاً، في لعبة أطراف خارجية لديها مصلحة في تضخيم تأثير هذه التصريحات.
ويؤكد التقرير أن هذه الأبعاد الثلاثة لا تنفي قيمة شهادته، لكنها تفرض التعامل معها بدرجة عالية من الحذر والتمييز.
المحور الرابع – البعد المعلوماتي
حرب السرديات حول دولة هشة:
خريطة تدفقات التأثير
يرى التقرير أن تسلسل الحدثين اللذين وقعا في 21 مايو و1 يونيو لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة الإعلامية والمعلوماتية التي جرت ضمنها هذه التطورات.
فالتقارب الزمني بين بيان المؤسسة العسكرية والتصريحات المثيرة لكمال القيزاني خلال فترة لا تتجاوز عشرة أيام لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مباشر بين الحدثين.
غير أن هذا التزامن أوجد ما يسميه التقرير «تأثير الرنين المتبادل»، بحيث عزز كل حدث المصداقية السردية للحدث الآخر.
ويستشهد التقرير بمقال نشرته صحيفة إل فوجليو الإيطالية بتاريخ 22 مايو.
فقد عنونت الصحيفة مقالها بعبارة:
«العسكريون في تونس يكتبون إلى سعيّد: نحن نخدم البلاد لا أنت».
ويشير التقرير إلى أن هذه العبارة لا ترد حرفياً في البيان العسكري.
إلا أنها تعكس، بحسب الصحيفة، مضموناً سياسياً اعتبرته قريباً من الرسالة الضمنية للبيان.
ويرى التقرير أن الصحيفة صنعت اقتباساً غير موجود فعلياً، لكنه يلخص تفسيراً سياسياً محتملاً للحدث.
وفي المقابل، أشارت منصة «كابيتاليس» التونسية في تحليل نشر يوم 24 مايو إلى هذا الانزلاق التفسيري، وكتبت:
«كادت واقعة مؤسساتية صلبة أن تغرق تحت رواية مصطنعة».
تقييم الفاعلين الإعلاميين
صحيفة لابراس التونسية
- وسيلة إعلام رسمية.
- تميل إلى دعم السلطة.
- درجة الموثوقية: مرتفعة فيما يتعلق بنقل الوقائع الرسمية.
Business News Tunisia
- وسيلة إعلام خاصة مستقلة.
- توجه نقدي معتدل.
- درجة الموثوقية: مرتفعة.
Kapitalis
- منصة ذات توجه ليبرالي.
- نقد معتدل للسلطة.
- درجة الموثوقية: مرتفعة.
Il Foglio (إيطاليا)
- صحيفة رأي قريبة من التيار المحافظ الإيطالي.
- توجهها مؤيد للديمقراطية الليبرالية.
- معلوماتها الأساسية صحيحة لكن تفسيراتها موجهة سياسياً.
Al Jazeera 360
- منصة إعلامية قطرية.
- معارضة للرئيس قيس سعيّد.
- موثوقية متوسطة.
Maghreb Émergent
- وسيلة إعلام جزائرية.
- تنظر إلى الأحداث من زاوية المصالح الجزائرية.
- موثوقية متوسطة.
ويخلص التقرير إلى أن ما حدث خلال هذه الفترة أوجد تقاطعاً موضوعياً بين عدة أطراف مختلفة:
- المعارضة التونسية.
- قطر.
- بعض الدوائر الأوروبية.
- أطراف داخل المنظومة الأمنية التونسية.
ويرى التقرير أن هذا التقاطع لا يمثل بالضرورة عملية منسقة أو مخططاً مركزياً.
فلا توجد أدلة تثبت وجود تنسيق مباشر بين هذه الجهات.
لكن النتيجة العملية تبقى متشابهة، إذ تتلاقى مصالحها جميعاً حول سردية مشتركة تقوم على إضعاف شرعية النظام القائم.
المحور الخامس – البعد الإقليمي
تونس في معادلة الجزائر – روما – الرباط:
ساحة لإسقاط التنافسات الإقليمية
يرى التقرير أن تونس ليست مجرد دولة تواجه أزمة داخلية، بل أصبحت أيضاً ساحة تُسقط عليها القوى الإقليمية والدولية المتعددة مصالحها وتنافساتها.
ومن ثم فإن فهم المشهد التونسي يتطلب فهماً لمصالح هذه الأطراف الخارجية.
الجزائر
يعتبر التقرير أن الجزائر هي الطرف الأكثر تأثراً بأي اضطراب محتمل في تونس.
فالبلدان يتقاسمان حدوداً يبلغ طولها نحو ألف كيلومتر.
كما طورت الجزائر خلال السنوات الأخيرة علاقة تعاون وثيقة مع نظام الرئيس قيس سعيّد.
وبحسب التقرير، فإن أي زعزعة كبيرة للاستقرار في تونس قد تؤدي إلى:
- تعقيد الوضع الأمني على الحدود الشرقية للجزائر.
- موجات هجرة غير مضبوطة.
- مخاطر تسلل عناصر متطرفة عبر المناطق الحدودية.
ولهذا السبب تفضل الجزائر، وفق التقرير، بقاء نظام سعيّد ضعيفاً لكنه متوقع السلوك، على الدخول في مرحلة فراغ سياسي.
وفي حال حدوث أزمة كبيرة، يتوقع التقرير أن يكون رد فعل الجزائر قائماً على:
- دبلوماسية هادئة لكن حازمة.
- مساعدات اقتصادية مشروطة.
- تشدد أكبر تجاه النفوذ القطري والتركي.
إيطاليا
يصف التقرير إيطاليا بأنها الشريك الغربي الأكثر تعرضاً لتداعيات الأزمة التونسية.
فالاتفاقات التي أبرمتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مع تونس في مجال مكافحة الهجرة تشكل ركناً أساسياً من السياسة الخارجية الإيطالية.
وأي انهيار للنظام التونسي قد يؤدي إلى:
- زيادة التدفقات نحو جزيرة لامبيدوزا.
- إضعاف سياسة الحكومة الإيطالية في ملف الهجرة.
- خلق أزمة سياسية داخلية في روما.
ويرى التقرير أن الاهتمام الإيطالي المكثف بالبيان العسكري التونسي يعكس هذا الانشغال.
المغرب
يصف التقرير المغرب بأنه يتابع التطورات من موقع المراقب البراغماتي.
فأي ضعف يصيب المحور الجزائري–التونسي يمكن أن يفتح مجالاً لتوسيع النفوذ المغربي في شمال إفريقيا.
كما أن الرباط تراقب الوضع من زاوية استقرار غرب المتوسط والممرات التجارية المرتبطة به.
قطر
يرى التقرير أن قطر، عبر شبكة الجزيرة، تلعب دوراً في تضخيم أصوات المعارضة.
ويعتبر أن موقف الدوحة الناقد للرئيس قيس سعيّد يرتبط بخلافات سياسية وإيديولوجية مع توجهاته.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أنه لا توجد أدلة على تنسيق مباشر بين السلطات القطرية وكمال القيزاني.
خلاصة موازين القوى الإقليمية
يخلص التقرير إلى أن الجزائر وإيطاليا هما الطرفان الأكثر تضرراً من أي انهيار محتمل في تونس.
ولذلك فإن مصلحتهما الأساسية تتمثل في الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، حتى وإن كان النظام القائم يعاني من اختلالات عميقة.
أما قطر وتركيا، فيعتبر التقرير أنهما أكثر استعداداً للاستفادة من أي انتقال سياسي محتمل عبر دعم بدائل سياسية جديدة.
في حين يتبنى المغرب سياسة انتظار ومراقبة.
أما الاتحاد الأوروبي، فيظهر – بحسب التقرير – منقسماً بين أولويات الأمن والهجرة من جهة، ومتطلبات الضغط السياسي والديمقراطي من جهة أخرى.
المحور السادس – البعد الاستشرافي
خمسة سيناريوهات لتونس بين 2026 و2028
تسمح دراسة الاتجاهات البنيوية، وفق التقرير، بتحديد خمس مسارات محتملة لتطور الوضع التونسي خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً.
ويشدد التقرير على أن هذه السيناريوهات ليست متعارضة بالضرورة، إذ يمكن أن تتداخل أو تتعاقب.
السيناريو الأول: الاستقرار المراقَب
الاحتمال: 25٪
العوامل المحفزة:
- حصول تونس على دعم مالي أوروبي أو خليجي.
- نجاح القمع الانتقائي في احتواء الاحتجاجات.
- تهدئة مؤقتة للعلاقة مع الاتحاد العام التونسي للشغل.
النتائج المحتملة:
- استمرار الوضع القائم.
- تواصل التدهور الاقتصادي البطيء.
- تجميد الإصلاحات السياسية.
ويرى التقرير أن هذا السيناريو يسمح للنظام بالبقاء دون أن يعزز قوته.
لصفحة 10
السيناريو الثاني: التشدد السلطوي
الاحتمال: 30٪
العوامل المحفزة
- اندلاع موجة احتجاجات أو تحركات شعبية واسعة.
- لجوء السلطة إلى اعتقالات جماعية وإجراءات أمنية مشددة.
- تعليق أي انفتاح سياسي أو مسار انتخابي ذي معنى.
النتائج المحتملة
- زيادة العزلة الدولية للنظام.
- انتقال الاقتصاد تدريجياً إلى منطق إدارة الأزمات الدائمة.
- تصاعد راديكالية أطراف المعارضة.
ويعتبر التقرير أن هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير.
السيناريو الثالث: أزمة اجتماعية كبرى
الاحتمال: 20٪
العوامل المحفزة
- اضطراب سلاسل التزويد بالمواد الغذائية الأساسية.
- ارتفاع متسارع للتضخم.
- دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى إضراب عام مفتوح وغير محدود زمنياً.
النتائج المحتملة
- اندلاع أعمال شغب واحتجاجات واسعة.
- شلل اقتصادي واسع النطاق.
- تعرض المؤسسة العسكرية لضغوط كبيرة للتدخل، مما يعيد إلى الأذهان أحداث يناير/كانون الثاني 2011.
السيناريو الرابع: انقسام أمني
الاحتمال: 10٪
العوامل المحفزة
- عمليات تطهير واسعة داخل الأجهزة الأمنية.
- محاولة انقلاب فاشلة.
- انشقاق شخصية أمنية أو عسكرية رفيعة المستوى.
النتائج المحتملة
- فوضى مؤسساتية.
- تدخل الجيش كجهة تحكيم بين الأطراف المتصارعة.
- ازدياد التدخلات الخارجية في الشأن التونسي.
ويرى التقرير أن مآلات هذا السيناريو تبقى شديدة الصعوبة من حيث التنبؤ.
السيناريو الخامس: انتقال سياسي تفاوضي
الاحتمال: 15٪
العوامل المحفزة
- وساطة دولية، خاصة من الجزائر أو الاتحاد الأوروبي.
- اتفاق بين الرئاسة والمعارضة المعتدلة والاتحاد العام التونسي للشغل حول خريطة طريق سياسية.
النتائج المحتملة
- العودة إلى نظام سياسي هجين.
- تحسن علاقة تونس بالممولين والمؤسسات المالية الدولية.
- إعادة بناء تدريجية للمؤسسات.
ويعتبر التقرير أن هذا السيناريو هو الأكثر رغبة من الناحية النظرية، لكنه الأقل احتمالاً على المدى القصير.
الخاتمة التحليلية
مؤشرات الإنذار المبكر ذات الأولوية
مستوى الخطر الحرج
- تحركات غير اعتيادية للقوات العسكرية حول المؤسسات السيادية.
- إقالة أو استقالة مفاجئة لرئيس أركان الجيش.
- إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل إضراباً عاماً مفتوحاً.
- توقف أو اضطراب توزيع المواد الغذائية المدعمة.
مستوى الخطر المرتفع
- تسريب وثائق سرية إلى وسائل إعلام دولية.
- تجميد مفاجئ للحسابات البنكية الخاصة بضباط أو معارضين.
- تأخر دفع رواتب الموظفين العموميين.
- زيارات غير معلنة لمبعوثين قطريين أو أتراك إلى تونس.
الخلاصة الاستراتيجية
يرى التقرير أن النظام التونسي بلغ نقطة انعطاف حاسمة.
فالأحداث التي شهدتها البلاد خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران 2026 ليست مجرد وقائع معزولة أو عابرة، بل تمثل مؤشرات على أن الركائز التي سمحت بقيام النظام السياسي بعد 25 يوليو/تموز 2021 بدأت تدخل مرحلة إعادة تشكل في الوقت نفسه.
وتشمل هذه الركائز:
- مؤسسة عسكرية كانت تتسم بالحياد السلبي.
- أجهزة استخبارات كانت موالية.
- اتحاداً عاماً للشغل كان يتبنى موقفاً توافقياً.
ويرى التقرير أن مظاهر الهشاشة الحالية حقيقية وعميقة.
ومع ذلك، فإنه لا يعتبر أن النظام يواجه خطراً وجودياً فورياً.
فما زالت السلطة تحتفظ بأدوات الإكراه الرئيسية، كما أنها تستفيد من حد أدنى من الدعم أو التسامح الخارجي، وخاصة من الجزائر وإيطاليا.
غير أن قدرة النظام على استيعاب الأزمات والصدمات تراجعت بصورة ملموسة.
ويختتم التقرير بالقول:
«إن تونس سنة 2026 هي دولة ما زالت تحكم، لكنها لم تعد تقنع؛ لا مؤسساتها، ولا شركاءها، ولا حتى جزءاً متزايداً من رأيها العام.»