حول وجاهة تحليل الأميرال عكروت
تعدّ هذه التدوينة مثيرة للاهتمام لأنها تبرز كيف يمكن، في تونس، أن يتحول مجرّد بلاغ مؤسساتي إلى موضوع للتأويل السياسي والاستراتيجي بشكل فوري.
يقوم تحليل الأميرال كمال العكروت على فكرة مركزية مفادها أن البلاغ لا يقتصر فقط على كونه تذكيراً تقليدياً بالعقيدة العسكرية، بل يمثل أيضاً إشارة سياسية غير مباشرة صادرة في سياق شديد التوتر..
وما يلفت الانتباه بشكل خاص في قراءته هو الأهمية التي يمنحها لبعض العبارات الواردة في البلاغ، مثل:
- « الجيش الجمهوري »
- « الحياد »
- « الاستقلالية »
- « المصلحة العليا للوطن »
ففي الأنظمة السياسية التي تعيش أزمات أو حالة استقطاب حاد، نادراً ما يُنظر إلى هذا النوع من المفردات باعتباره محايداً.
ومن أكثر النقاط دقة في تحليله ربما هذه الملاحظة:
فالبلاغ يشير إلى « قوانين الدولة » لكنه لا يذكر الدستور بشكل صريح.
وفي تونس اليوم، يمكن لمثل هذا الغياب أن يُقرأ سياسياً، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود.
عنصر آخر مهم يتمثل في أن التحليل يشدد على البعد الوقائي للنص.
بمعنى آخر:
- يبدو أن المؤسسة العسكرية تسعى أقل إلى التدخل، وأكثر إلى تفادي الانجرار إلى المواجهة السياسية.
وهذا ينسجم تاريخياً مع الثقافة المؤسساتية للجيش التونسي الذي، بخلاف بعض الجيوش العربية الأخرى:
- تجنب طويلاً الانخراط السياسي المباشر،
- ويتمتع بثقل اقتصادي محدود،
- كما حافظ تقليدياً على صورة جيش جمهوري محايد.
غير أن السياق الحالي يغيّر طريقة تلقّي أي بلاغ عسكري، في ظل:
- الأزمة الاقتصادية،
- التوترات الاجتماعية،
- الاستقطاب السياسي،
- التكهنات حول « ما بعد قيس سعيّد »،
- وتزايد الشائعات والقراءات الجيوسياسية.
وفي مثل هذا المناخ، يمكن حتى لنصّ متزن نسبياً أن يُفسَّر باعتباره:
- رسالة تحذير،
- أو محاولة للنأي بالنفس،
- أو خطاباً يهدف إلى طمأنة المؤسسات والحفاظ على الاستقرار.
ومن النقاط اللافتة أيضاً في هذه القراءة أن البلاغ موجّه في الآن نفسه إلى ثلاثة أطراف:
- الفاعلين السياسيين،
- الرأي العام،
- والمؤسسة العسكرية نفسها.
وهذا بالفعل من السمات التقليدية للاتصال العسكري في الفترات الحساسة، إذ إن الجهة المستهدفة الحقيقية لا تكون أبداً واحدة فقط.
وأخيراً، فإن الإشارة إلى القسم العسكري ليست على الأرجح أمراً عابراً.
فهي تهدف إلى إعادة تأسيس شرعية المؤسسة العسكرية:
- لا على أساس الولاء الشخصي،
- بل على أساس الولاء للدولة ولمؤسساتها.
وهذا بالتحديد هو نوع الدلالات الدقيقة التي تغذي اليوم النقاشات والتأويلات في تونس.
Commentaires
1 commentaire
C'est une bonne chose