السؤال الحتمي لما بعد قيس سعيد
لضجة التي أثارتها صحيفة إل فوليو الإيطالية، القريبة من دوائر المال والأعمال واليمين الإيطالي، لها على الأقلّ فضل واحد: أنّها أعادت إلى قلب النقاش سؤالًا يحاول النظام السياسي التونسي الهروب منه منذ سنوات، وهو سؤال «ما بعد قيس سعيّد». ويزداد هذا السؤال حساسية لأنّه يُطرح في لحظة يعمل فيها أكثر داعمي الرئيس حماسة — داخل الإدارة والأجهزة الأمنية والإعلامية والإقليمية — ليس فقط على تأمين ولاية جديدة له، بل ربما على تكريس سلطة تمتدّ إلى ما هو أبعد من الإطار الدستوري الذي أوصله إلى الحكم..
قد تبدو الانتخابات القادمة بعيدة — نظريًا في سنة 2029 — لكن الزمن السياسي في تونس لم يعد يتحرك وفق الإيقاع المؤسسي العادي. فمنذ انقلاب 25 جويلية 2021، أعاد قيس سعيّد تشكيل النظام تدريجيًا حول شخصه وخطابه وتصوره الخاص للشرعية الشعبية. وفي ظل هذه الرئاسوية المفرطة، لم يعد السؤال كيف يحكم الرجل، بل كيف يمكن لنظام قائم على شخص واحد أن ينظّم يومًا ما مسألة الخلافة. فقيس سعيّد نفسه جعل أي تداول طبيعي على السلطة شبه مستحيل عندما أعلن أنّه لن يسلّم تونس إلى «من لا وطنية لهم»، أي إلى أولئك الذين يصنفهم ضمن خانة «الخونة». ولم تكن تلك العبارة مجرد مبالغة خطابية، بل أصبحت التعبير العقائدي الأوضح للنظام: فكرة أنّه وحده يجسّد الإرادة الحقيقية للشعب في مواجهة أعداء كثر وغير محدّدين بدقة: أحزاب، نقابات، نخب، إعلام، قضاة أو أطراف خارجية. ومن ثمّ، تصبح مغادرته السلطة مسألة تتعارض تقريبًا مع منطق النظام نفسه. رغم ذلك، يمكن تصور عدة سيناريوهات. السيناريوهات الممكنة: بين استقرار ظاهري وهشاشة عميقة السيناريو الأول يتمثّل في خروج منظّم — أو مفروض بهدوء — من داخل الأجهزة التي تدعم الرئيس اليوم، وخاصة المؤسسة العسكرية وقوات الأمن الداخلي. غير أنّ هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا نسبيًا على المدى القصير. فرغم تفاقم التوترات الاقتصادية والاجتماعية، ما تزال المؤسسات الأمنية تتحرك في سياق من الاستقرار العام. ولا يبدو أن أي حراك شعبي واسع قادر حاليًا على تهديد النظام بشكل جدي، في حين تحتفظ الدولة بقدرات كبيرة على المراقبة والسيطرة واحتواء التوترات. والأهم أنّ الأجهزة الأمنية لا تملك، إلى الآن، مصلحة استراتيجية واضحة في القطيعة مع الرئيس. فالنظام الحالي أعاد إليها مركزية سياسية ومؤسساتية ومالية لم تعرفها فعليًا منذ الثورة. وتقوم «القيسونية» تحديدًا على هذا التوازن الضمني: تركيز مطلق للسلطة السياسية من جهة، وتعزيز متواصل للأدوات الأمنية للدولة من جهة أخرى. وطالما حافظ هذا التوازن على حدّ أدنى من الاستقرار ومنع انهيار المؤسسات، فمن غير المرجّح أن تبادر مراكز القوة الحقيقية إلى التغيير. فالأجهزة الأمنية في الأنظمة السلطوية تفضّل غالبًا الاستمرارية، حتى وإن كانت هشة، على مغامرة انتقال لا تتحكم في مآلاته. لكن هذا الاستقرار يبقى استقرارًا دفاعيًا يخفي هشاشة أعمق. فإذا تفاقمت الأزمة الاقتصادية إلى درجة تهدد قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية — دفع الأجور، الحفاظ على الدعم، ضبط المجال الترابي أو ضمان السلم الاجتماعي — فقد تتغير حسابات الأجهزة بسرعة. فالتاريخ يُظهر أن داعمي الأنظمة السلطوية يظلون أوفياء للحاكم إلى اللحظة التي يصبح فيها بقاؤه أخطر عليهم من رحيله. الغضب الاجتماعي كخطر الانفجار السياسي السيناريو الثاني يتمثل في تفاقم تدريجي للأزمة الاجتماعية والاقتصادية بما قد يقود، مع الوقت، إلى أزمة سياسية حقيقية للنظام. فخلف صورة الاستقرار تتراكم هشاشات عميقة: تآكل القدرة الشرائية، انحدار الطبقات الوسطى، بطالة واسعة في صفوف الشباب، انهيار الخدمات العمومية، إنهاك الاقتصاد الوطني وأزمة مزمنة في المالية العمومية. ويضاف إلى ذلك ارتهان متزايد للمؤسسات المالية والجهات المانحة الخارجية، بما يجعل الدولة التونسية تعيش تدريجيًا حالة من السيادة المنقوصة، حيث تبدو الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وأحيانًا حتى السياسية، خاضعة أكثر فأكثر لإملاءات الخارج بدل أن تكون نتاج إرادة وطنية مستقلة. حتى الآن، تنتج هذه الأزمات غضبًا اجتماعيًا مشتتًا ومتناثرًا. لكن التاريخ السياسي يبيّن أن بعض الأزمات تصبح قابلة للانفجار عندما تصل فئات واسعة من الناس إلى لحظة تفقد فيها ليس فقط الأمل في التحسن، بل الثقة في قدرة السلطة نفسها على الحكم وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار. وإدراكًا لهذه الهشاشة الاجتماعية، يسعى النظام إلى تحويل جزء من الغضب نحو «أعداء» بدلاء. فالحملة العنصرية والتحريضية ضد المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء تدخل ضمن هذه الاستراتيجية تحديدًا. فمن خلال تصوير فئة ضعيفة على أنّها تهديد ديمغرافي أو أمني أو هوياتي، يحاول النظام تحويل الغضب الناتج عن الفشل الاقتصادي والسياسي إلى خوف وكراهية. وقد تحولت قضية المهاجرين إلى ما يشبه «صمام تفريغ» سياسي: متنفس رمزي يسمح بتوجيه الإحباط الشعبي بعيدًا عن السلطة نفسها. لكن مثل هذه الاستراتيجيات تحمل أخطارها الخاصة. فالأنظمة التي تحكم بالخوف، وباختراع الأعداء الداخليين، وباستثارة الغرائز الهوياتية، تنتهي غالبًا إلى إضعاف النسيج الاجتماعي والتوازنات الوطنية التي تزعم حمايتها. وفي مثل هذا السياق، قد يجد النظام نفسه مضطرًا للبحث عن بديل حفاظًا على الدولة نفسها. وهذا، إلى حد ما، ما حدث قبل سقوط بن علي: لم تكن المسألة ثورة مفاجئة بقدر ما كانت تخلخلًا تدريجيًا داخل مراكز السلطة نفسها عندما بدأ بعض داعمي النظام يعتبرون بقاء الرئيس خطرًا أكبر من رحيله. لكن هذا السيناريو يبقى محدودًا في الوقت الراهن. فالشروط الموضوعية للانفجار موجودة، لكن الشروط السياسية لتحويلها إلى ديناميكية تغيير لم تنضج بعد. فالمنظمة الشغيلة، التي كانت تاريخيًا عنصر توازن أساسي، تبدو اليوم حذرة أو منهكة أو غير راغبة في مواجهة لا تتحكم في نتائجها. كما جرى تحييد الأجسام الوسيطة أو إضعافها أو تشويهها. ويضاف إلى ذلك أن عددًا مهمًا من أبرز قادة المعارضة يوجدون اليوم إمّا في السجون أو في المنفى أو تحت ضغط قضائي دائم، وهو ما ساهم في إضعاف قدرات المعارضة على التنظيم والتنسيق وبناء أفق سياسي واضح. فالقمع لم يضيّق فقط مجال الحريات، بل خلق أيضًا مناخًا من الخوف والإرهاق والتفكك يحدّ بشدة من تشكل ديناميكية جماعية منظمة. أما الأحزاب السياسية، فما تزال منقسمة ومقطوعة عن الواقع الاجتماعي وعاجزة، في وضعها الحالي، عن إنتاج خطاب بديل قادر على مخاطبة النخب والفئات الشعبية في الوقت نفسه. وحتى المجتمع المدني، رغم حيويته النسبية، ما يزال يواجه صعوبة في تحويل الغضب الاجتماعي المتناثر إلى مشروع سياسي متماسك. وهكذا يستفيد النظام من مفارقة بالغة الأهمية: شعبية اقتصادية متآكلة، مقابل ضعف القدرة على التعبئة ضده. فكثير من التونسيين يشعرون بالغضب أو القلق أو التعب، لكن دون أن تظهر بعد قوة سياسية قادرة على تحويل هذا السخط إلى ميزان قوى حقيقي. وهذه إحدى خصائص الأنظمة السلطوية المعاصرة: فهي قد تستمر طويلًا، لا لأنها تحظى بدعم شعبي واسع، بل لأن خصومها مشتتون وضعفاء ويفتقرون إلى أفق مشترك. وطالما لا يظهر بديل موثوق، فقد يواصل جزء مهم من المجتمع تفضيل «استقرار متدهور» على مغامرة تغيير مجهول النتائج. خطر الفراغ السياسي السيناريو الثالث، وهو الأكثر حساسية، يتعلق بالحالة الصحية لقيس سعيّد نفسه، جسديًا ونفسيًا. ففي نظام قائم إلى هذا الحد على شخص واحد، تتحول أي هشاشة شخصية إلى هشاشة للنظام كله. وفي الأنظمة شديدة المركزية، غالبًا ما يتحول الغموض المحيط بصحة الحاكم إلى أحد أهم مصادر عدم اليقين السياسي. فالظهور الإعلامي لقيس سعيد ، وعلاقته المتزايدة الغرابة بالخطاب السياسي، وبعض المشاهد الاتصالية المربكة، إضافة إلى التركيز المفرط للقرار بين يديه، كلها تغذي بالفعل تساؤلات كثيرة داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية. وفي نظام جرى فيه إفراغ المؤسسات من مضمونها، فإن أي عجز دائم للرئيس قد يفتح فراغًا خطيرًا. فالنظام الحالي لا يقوم على حزب منظم، ولا على عقيدة سياسية متماسكة، ولا على ترتيبات واضحة للخلافة، بل يقوم أساسًا على شخص الرئيس نفسه. وأي خلل في هذه الحلقة المركزية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل سريعة داخل أجهزة الدولة ذاتها. وفي الواقع، لا تلغي هذه السيناريوهات بعضها بعضًا، بل قد تتقاطع وتتغذى من بعضها البعض. فتفاقم الأزمة الاجتماعية قد يعمّق التوترات داخل الأجهزة الأمنية، والشكوك حول قدرة الرئيس على الحكم قد تدفع بعض الأطراف إلى التحضير بصمت لمرحلة ما بعده، فيما قد تجعل أزمة مالية كبرى البحث عن تسوية سياسية أمرًا لا مفر منه. وهكذا تحدث غالبًا الانهيارات داخل الأنظمة السلطوية: ليس بسبب حدث واحد، بل نتيجة تراكم هشاشات جرى التقليل من شأنها طويلًا. الاستعداد لمرحلة ما بعد قيس سعيد بدل انتظار سقوطه لكن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف يمكن أن يغادر قيس سعيّد السلطة، بل ماذا ينبغي على القوى الديمقراطية أن تفعل في كل واحد من هذه السيناريوهات. بمعنى آخر: ألّا تنتظر الحدث، بل أن تستعدّ للمفاجأة. أول ما يقتضيه ذلك هو الخروج من منطق التعليق إلى منطق التحضير. فالخطر الحقيقي أن يؤدي ضعف النظام، لا إلى انتقال ديمقراطي، بل إلى الفراغ أو الانتقام أو إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة. إذا استمر النظام، فإن المهمة الأساسية تصبح إعادة بناء شروط البديل: تنسيق الأحزاب والنقابات والجمعيات والشخصيات المستقلة والفاعلين الجهويين؛ إعادة بناء الثقة؛ واستعادة الصلة بالفئات الاجتماعية التي تشعر بالتهميش واليأس. كما ينبغي توثيق الانتهاكات والتجاوزات السلطوية، ليس فقط من منطلق حقوقي أو نضالي، بل للحفاظ على الذاكرة الجماعية ومنع تحول الاستبداد إلى أمر عادي ومألوف. لكن الأهم هو أن تخرج المعارضة من لغتها النخبوية المغلقة وأن تعود إلى مخاطبة الناس من خلال قضاياهم اليومية: الأسعار، التشغيل، الصحة، التعليم، النقل، القدرة الشرائية ومستقبل الشباب. فإحدى نقاط قوة «القيسونية» تكمن تحديدًا في ضعف خطاب بديل قادر على مخاطبة الفئات الشعبية بلغة بسيطة ومقنعة. والرهان الأساسي يتمثل في كسر الرواية التي يفرضها النظام، والتي تختزل الاختيار في معادلة ثنائية: قيس سعيّد أو الفوضى. فهذه الرواية أصبحت اليوم القاعدة السياسية الأساسية التي يستند إليها النظام. إنها تغذي الخوف من الفراغ وتستثمر في انهيار صورة المنظومة القديمة لتجعل غياب البديل بمثابة شرعية ضمنية للسلطة القائمة. ولن يكون أي تغيير ديمقراطي ممكنًا ما دام جزء مهم من المجتمع يعتبر، رغم كل الإخفاقات، أن استمرار النظام أقل خطورة من مغامرة انتقال مجهول الأفق. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معارضة السلطة، بل في إعادة بناء أمل سياسي قادر على طمأنة الناس بقدر ما هو قادر على تعبئتهم. وفي حال تفاقمت الأزمة الاجتماعية أو الأمنية، سيكون من الضروري منع الغضب الشعبي من أن يقع تحت سيطرة الأجهزة أو القوى المعادية للديمقراطية. وهذا يقتضي إعداد حدّ أدنى من الأرضية المشتركة قبل الانفجار: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ضمان الحريات العامة، استعادة استقلال القضاء، وضع رزنامة انتخابية ذات مصداقية، تشكيل حكومة انتقالية محدودة الزمن، وإقرار إجراءات اقتصادية عاجلة. فالمسألة لن تكون انتخابية فقط، لأن الأزمة التونسية لم تعد مجرد أزمة تمثيل سياسي، بل أصبحت أزمة عميقة تمس المؤسسات نفسها، ودولة القانون، وآليات التنظيم الديمقراطي. أما إذا حدثت قطيعة من داخل الدولة أو المؤسسة الأمنية، فإن الأولوية يجب أن تكون تجنب السذاجة أمام «حلّ القصر». فالتاريخ يُظهر أن التغيير المفروض من أعلى لا يؤدي تلقائيًا إلى الديمقراطية. إذ قد تتم إزاحة الرئيس مع الحفاظ على البنية السلطوية نفسها، فقط بوجوه جديدة. ولهذا ينبغي تحويل أي قطيعة واقعية إلى مسار سياسي منظم: عودة إلى القانون، إعادة بناء المؤسسات المستقلة، ضمانات ضد الانتقام، وعدالة انتقالية متوازنة تجمع بين المحاسبة والاستقرار. كما يجب تجنب إعادة إنتاج حكم الفرد في صورة جديدة. فإحدى أهم دروس 25 جويلية هي أن الديمقراطية لا يمكن أن تعيش طويلًا عندما تصبح المؤسسات رهينة «رجل منقذ»، أيًا كان اسمه. أما في حال حدوث فراغ مفاجئ في السلطة بسبب الوضع الصحي لقيس سعيد أو لأي سبب آخر، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الارتجال. فالأنظمة المبنية على شخص واحد تبدو قوية إلى أن تكتشف فجأة هشاشتها. وعندما لا توجد آليات واضحة للخلافة ولا مؤسسات مستقلة قادرة على امتصاص الصدمة، فإن غياب الحاكم قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وفوضى سياسية. ولأن النظام الحالي يقوم أساسًا على مركزية الرئيس المطلقة، فإن أي فراغ قد يكون شديد الخطورة. ولهذا يصبح من الضروري التفكير منذ الآن في سيناريو انتقال قصير وواضح وقابل للدفاع عنه قانونيًا وسياسيًا، ليس لتنظيم انهيار فوضوي، بل لتجنب أن يتحول الفراغ إلى ذريعة لظهور استبداد جديد يُقدَّم مرة أخرى بوصفه «الحل الوحيد لإنقاذ الدولة». فالخلاصة بسيطة: المطلوب ليس التآمر على رجل، بل التحضير لخروج نظام كامل. ليس انتظار المعجزة، بل بناء قدرة جماعية. وليس فقط التنديد بمخاطر «القيسونية» بل إثبات أنّ بديلًا ديمقراطيًا واجتماعيًا وذا مصداقية ممكن فعلًا. دروس 25 جويلية: كيف انهارت الديمقراطية التونسية؟ لكن قبل كل شيء، فإن أي تفكير جدّي في «ما بعد قيس سعيّد» يجب أن يبدأ بسؤال يتجنّب كثيرون طرحه: لماذا كان 25 جويلية 2021 ممكنًا أصلًا؟ ولماذا استقبلته شريحة واسعة من التونسيين، إن لم يكن بحماس، فعلى الأقل بشيء من الارتياح؟ فالانقلاب الذي قاده قيس سعيّد لم يولد من فراغ. لقد كان نتيجة الفشل الجماعي لعقد ما بعد الثورة. فشل اقتصادي أولًا: اتساع الفوارق الجهوية، بطالة واسعة، انهيار الخدمات العامة، وعجز الحكومات المتعاقبة عن إنتاج النمو أو الأمل. بالنسبة إلى عدد كبير من التونسيين، تحولت الديمقراطية تدريجيًا إلى سلسلة من الأزمات والصفقات الغامضة والصراعات الحزبية العقيمة دون أي تحسن ملموس في حياتهم اليومية. لكن الفشل كان أيضًا سياسيًا وأخلاقيًا. فالنخب التي أفرزتها المرحلة الانتقالية بدت منفصلة عن المجتمع، منشغلة بتوازنات السلطة أكثر من انشغالها بالناس. والأحزاب فقدت قدرتها على التأطير الاجتماعي والسياسي. أما البرلمان فتحوّل، في المخيال الجماعي، إلى رمز للفوضى والعجز والحسابات الضيقة، فيما بدا أن الدولة نفسها تتآكل ببطء. لقد استغل قيس سعيّد هذا الإرهاق الديمقراطي بمهارة كبيرة. فهو لم يهدم نظامًا قويًا، بل أجهز على نظام فقد جزءًا كبيرًا من شرعيته في نظر الناس. ولهذا فإنّ خطأ المعارضة اليوم سيكون الاعتقاد بأنّ سقوط النظام كافٍ للعودة ببساطة إلى ما قبل 25 جويلية. فذلك الوهم قد يكون قاتلًا. لأن إعادة إنتاج المشهد القديم نفسه لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج شروط استبداد جديد. إن دروس 25 جويلية أساسية وحاسمة. الدرس الأول هو أنه لا يمكن أن توجد ديمقراطية مستقرة من دون حد أدنى من النجاعة الاقتصادية. فالحريات العامة، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لتثبيت نظام سياسي عندما تعيش الأغلبية الاجتماعية في الهشاشة والتدهور وفقدان الأفق. ولذلك فإن أي بديل مستقبلي سيكون مطالبًا بالجمع بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبين الحريات والفعالية العمومية، وبين بناء المؤسسات وتحقيق التنمية. أما الدرس الثاني فهو أن الديمقراطية لا يمكن أن تعيش من دون مصداقية أخلاقية للنخب. فالفساد، والمحسوبية، والانتهازية الحزبية، والتسويات غير المفهومة، كلها ساهمت في تدمير الثقة الشعبية. كما أن الشعور بأن «الجميع متشابهون» شكّل الأرضية النفسية التي تغذت منها «القيسونية» ــ ولهذا فإن أي إعادة بناء ديمقراطية حقيقية يجب أن تمر أيضًا عبر تجديد عميق للممارسات السياسية نفسها. أما الدرس الثالث، وربما الأهم، فهو أن أي قوة ديمقراطية لا يمكنها أن تحكم طويلًا ضد الدولة. خلال سنوات ما بعد الثورة، حافظ جزء من الطبقة السياسية على علاقة ملتبسة مع المؤسسات الإدارية والأمنية والقضائية. وعندما اندلعت أزمة 2021، لم تُبدِ الدولة العميقة تقريبًا أي مقاومة حقيقية للانزلاق السلطوي، بل إن كثيرين داخلها رأوا فيه شكلًا من أشكال «استعادة النظام». وهذا يعني أن أي انتقال قادم يجب أن يوفق بين الإصلاح الديمقراطي والاستقرار المؤسساتي. لا انتقام، ولا تطهير شامل، ولا سذاجة سياسية. بل إعادة بناء تدريجية للثقة بين المجتمع والإدارة ومؤسسات الدولة. أما الدرس الأخير لــ25 جويلية فهو أن الديمقراطية من دون وسائط وتنظيمات تصبح هشّة أمام الشعبوية السلطوية. فعندما تنهار الأحزاب، وتضعف النقابات، ويفقد المثقفون تأثيرهم، ويتفكك المجتمع المدني، يصبح الرابط المباشر بين «الزعيم» و«الشعب» قوة سياسية يصعب مقاومتها. وقد تغذت «السعيّدية» تحديدًا من التدمير الرمزي لكل الأجسام الوسيطة. ولهذا فإن إعادة بناء تونس الديمقراطية تعني أيضًا إعادة بناء الوسائط: أحزاب ذات مصداقية، نقابات مستقلة، إعلام حر، قضاء مستقل، جماعات محلية قوية، وجمعيات حية وفاعلة. ليس بوصفها مجرد ديكور مؤسساتي، بل باعتبارها ضمانات حقيقية ضد التمركز المطلق للسلطة في يد شخص واحد. إن التحضير لما بعد قيس سعيّد لا يعني فقط التحضير لتداول على السلطة، بل يعني فهم الأسباب التي جعلت الديمقراطية التونسية تفقد جزءًا من شرعيتها لدى فئات واسعة من الشعب، حتى لا يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى، ولكن بوجه مختلف