لقد بلغ السيل الزبى
الان وبعد سبع سنوات من حكمه.. وبعد ست حكومات متتالية و"بعد التحذير تلو التحذير" انتبه الرئيس قيس سعيد الى أن "السيل قد بلغ الزبى وانه لم يعد ممكنا مواصلة حرب التحرير الوطني الا مع من يؤمن بحق الشعب في التحرّر الكامل من رواسب الماضي البغيض بحسب تعبيره.
فبعد وقوفه على حجم الاخلالات في عدد من المرافق والمشاريع العمومية كما جاء على الصفحة الرئاسية توجه رئيس الجمهورية الى مقر الحكومة بالقصبة حيث التقى برئيسة الحكومة وأعلمها بنبرة عالية بان " السيل بلغ الزبى"..! مع العلم ان الرئيس كان استقبلها منذ يومين وتحدث معها طويلا بالقصر الرئاسي عن المشاريع العمومية المعطلة...!! فما الذي يحدث حقيقة..؟ هل نحن امام مقدمة لتحوير حكومي عميق ..؟؟ من المسؤول عن هذه العطالة المجتمعية سواء كانت في علاقة بالمشاريع العمومية الكبرى او في علاقة بحياة المواطنيين وعيشهم الذي تحول الى كابوس جحيمي في اسواق الجمر ..؟ من المسؤول عن تحوّل البلاد الى ما يشبه حضيرة أشغال متروكة ..؟ وعمّا يبحث الرئيس في زيارته غير المعلنة الى مكتب رئيسة الحكومة.. التي لا تمتلك من الصلاحيات الوزيرية ما يؤهلها للتحرّك وأخذ القرار بمعزل عن القصر الرئاسي فهي غير مؤهلة دستوريا لتمرير الخيط من الابرة الا بعد اسشارة رئيس الجمهورية الذي منحه دستور 22 كل الصلاحيات التنفيذية بما في ذلك وضع السياسات العامة وعلى موظفي الدولة (والوزراء موظفون لدى سيادته) تنفيذ هذه السياسات بحذافيرها ما يعني بوضوح ان الرئيس مسؤول مباشر عن كل النجاحات إن هو نجح ومسؤول مباشر عن كل الاخفاقات ان هو أخفق.. ونحن حقيقة لم نفهم قوله (وهو قول ارتدادي اذا ما اردنا تحميل المسؤوليات) بان السيل قد بلغ الزبى ولم يعد ممكنا مواصلة حرب التحرير الا بمن يؤمن بحق الشعب في التحرر الكامل من الماضي البغيض ".!! فمن هؤلاء الذين "يستغيث" بهم الرئيس للاستمرار في حرب التحرير المعطلة...؟ هنا لا بد من التذكير بان الرئيس دستوريا هو الذي يختار وزراءه (ست حكومات على امتداد سبع سنوات) وهو الذي يعيّنهم ويعزلهم ولا يستشير في ذلك أحدا وقد اتضح اخفاقه في اختيار رجال دولته اكثر من مرة وما يزال بعضهم مستمرا الى الان في الحكومة.. وهو ايضا الذي يختار الولاة وكتاب الدولة بما في ذلك المديرين العامين بالمؤسسات والمرافق العمومية... وقد أنهى كما هو معلوم الوجود الفعلي للكيانات او لنقل للأجسام الوسيطة من احزاب ومنظمات وجمعيات وأفرغها من محتواها و كانت تلعب دورا مهمّا بين الدولة والمجتمع بل كانت عنوان توازن مجتمعي وخاصة في حالات التوتر والارتباك السياسي ..وبالتالي فانه من باب الانكار والعبث البحث عن " شمّاعات" لتعليق الاخفاقات ولتبرير الفشل وكل هذه العطالة المجتمعية ... لقد "بلغ السيل الزبى" بالفعل لكن لا كما جاء في توصيف الرئيس وانما للاسباب الموضوعية التالية : 1_ الفشل في اختيار اعضاء الحكومة من وزراء وكتاب دولة فلا كفاءة ولا خبرة لأغلبهم ويكفي العودة الى تدخلاتهم في مجلس نواب الشعب حتى نفهم محدوديتهم الفكرية والسياسية وهم غير مؤهلين حتى لاقناع الرأي العام بوجودهم على رأس وزاراتهم 2_ عدم وجود سلطة رقابية فوق كل السلطات مؤهلة دستوريا لمحاسبة كل من تقاعس او أخطأ ولمحاربة الفساد والمضاربين في اسواق النهب وقد تم اضعاف السلطات الرقابية وتفكيك هيئاتها المستقلة دون ايجاد بديل لها.. 3_ السلطة التشريعية تحولت الى مجرد غرفة لتمرير ما يفد عليها من مشاريع قوانين ولا تمتلك قوة الاقتراح ولا قوة المحاسبة او المراقبة وقد تم تعليق او تجميد عملها مؤخرا بحيث لا يمثُل امامها لا وزير ولا غفير الى حين انهاء التجميد 4_ حالة الاختناق التي يمر بها الاعلاميون ومحاملهم سواء كانت مكتوبة او مسموعة او مرئية او الكترونية.. اعلام محاصر بالمرسوم 54 وهو بمثابة الباب المفتوح عشوائيا على السجون بين ايداع وايقاف بما سحب الدور الرقابي من الاعلام وبما حوّله الى اعلام مدجّن عاد بالقوة الى "بيت الطاعة" وخاصة الاعلام العمومي وعلى رأسه عدد من الانتهازيين ممن ثبت فشلهم ورغم ذلك هم مستمرون في مناصبهم مع العلم ان الرئيس هو الذي عينهم ولم يكن يعرف عن " كفاءتهم " شيئا 5_ ضمور السلطة القضائية التي اصبحت محلّ ريبة والتباس وفقدت الثقة المواطنية بحسب توصيف المحامين انفسهم وكل المتدخلين في مرفق العدالة لاسباب في علاقة بطبيعة المرحلة سياسيا.. لقد "بلغ السيل الزبى" بالفعل وهذا في الواقع مأثور عربي قديم و متروك لكنه يعبر بعمق عن حالة الاختناق السياسي والمجتمعي الآن وهنا... لقد "بلغ السيل الزبى" بالفعل ويكفي جولة في اسواق الحدّ الادنى لنكتشف شقاء التونسيين وتعبهم اليومي وحال النقل العمومي والصحة العمومية والتعليم العمومي والاعلام والثقافة وكل الخدمات العمومية بما يدفع الناس الى الصراخ بصوت عال .."لقد بلغ السيل الزبى" قولا وفعلا ...وعلينا ان نفهم السبب حتى ننجو بدل البحث عن شماعات لتعليق الخيبات ... ساعات فقط تفصلنا ربما عن تحوير وزاري عميق ومع ذلك سيستمر السيل بل سيفيض على الزبى اذا ما استمر الحكم فرديا لا استشارة فيه ولا انارة مع فصل التعبير عن التفكير كما ورد في حكمة من حكم الرئيس الذي يخوض حرب تحرير بجنود لا يؤمنون بجدية هذه الحرب والدليل خسائرها الكبرى على اراضي الواقع التونسي.. .......................................... قيل وما الزبى .. ؟ قال: جمع "زُبية"..قال وما "الزبية" ؟ قال :حفرة عميقة يحفرها الصيادون في الأماكن العالية لاصطياد الأسود... قال: وماذا في حال انقرضت الأسود او قلّ وجودها .....؟( لا جواب...!!)